ابن عطية الأندلسي

45

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

« ونقول في الجملة » إنما صح وترتب من جهة اختلاف لغات العرب الذين نزل القرآن بلسانهم ، وهو اختلاف ليس بشديد التباين حتى يجهل بعضهم ما عند بعض في الأكثر ، وإنما هو أن قريشا استعملت في عباراتها شيئا ، واستعملت هذيل شيئا غيره في ذلك المعنى ، وسعد بن بكر غيره ، والجميع كلامهم في الجملة ولغتهم . واستدلال القاضي رضي اللّه عنه بأن لغة عمر وأبيّ وهشام وابن مسعود واحدة فيه نظر ، لأن ما استعملته قريش في عبارتها ومنهم عمر وهشام ، وما استعملته الأنصار ومنهم أبيّ وما استعملته هذيل ومنهم ابن مسعود ، قد يختلف ، ومن ذلك النحو من الاختلاف هو الاختلاف في كتاب اللّه سبحانه ، فليست لغتهم واحدة في كل شيء ، وأيضا فلو كانت لغتهم واحدة بأن نفرضهم جميعا من قبيلة واحدة ، لما كان اختلافهم حجة على من قال : إن القرآن أنزل على سبع لغات لأن مناكرتهم لم تكن لأن المنكر سمع ما ليس في لغته فأنكره ، وإنما كانت لأنه سمع خلاف ما أقرأه النبي صلى اللّه عليه وسلم وعساه قد أقرأه ما ليس من لغته واستعمال قبيلته . فكأن القاضي رحمه اللّه ، إنما أبطل أن يكون النبي صلى اللّه عليه وسلم قصد في قوله : على سبعة أحرف عد اللغات التي تختلف بجملتها وأن تكون سبعا متباينة لسبع قبائل تقرأ كل قبيلة القرآن كله بحرفها ولا تدخل عليها لغة غيرها ، بل قصد النبي عليه السلام - عنده - عد الوجوه والطرائق المختلفة في كتاب اللّه مرة من جهة لغة ، ومرة من جهة إعراب ، وغير ذلك ، ولا مرية أن هذه الوجوه والطرائق إنما اختلفت لاختلاف في العبارات بين الجملة التي نزل القرآن بلسانها وذلك يقال فيه اختلاف لغات . وصحيح أن يقصد عليه السلام عد الأنحاء والوجوه التي اختلفت في القرآن ، بسبب اختلاف عبارات اللغات . وصحيح أن يقصد عد الجماهير والرؤوس من الجملة التي نزل القرآن بلسانها ، وهي قبائل مضر فجعلها سبعة ، وهذا أكثر توسعة للنبي عليه السلام ، لأن الانحاء تبقى غير محصورة ، فعسى أن الملك أقرأه بأكثر من سبعة طرائق ووجوه . قال القاضي في كلامه المتقدم : « فجائز أن يقرأ بهذه الوجوه على اختلافها » . قال القاضي أبو محمد رضي اللّه عنه : والشرط الذي يصح به هذا القول هو أن تروى عن النبي عليه السلام ، ومال كثير من أهل العلم كأبي عبيد ، وغيره ، إلى أن معنى الحديث المذكور أنه أنزل على سبع لغات لسبع قبائل انبث فيه من كل لغة منها ، وهذا القول هو المتقرر من كلام القاضي رضي اللّه عنه وقد ذكر بعضهم قبائل من العرب روما منهم أن يعينوا السبع التي يحسن أن تكون مراده عليه السلام ، نظروا في ذلك بحسب القطر ومن جاور منشأ النبي عليه السلام . واختلفوا في التسمية وأكثروا ، وأنا ألخص الغرض جهدي بحول اللّه : فأصل ذلك وقاعدته قريش ، ثم بنو سعد بن بكر ، لأن النبي عليه السلام قرشي ، واسترضع في بني سعد ، ونشأ فيهم ، ثم ترعرع وعقت تمائمه وهو يخالط في اللسان كنانة ، وهذيلا ، وثقيفا ، وخزاعة ،